عزم متجدد

بعد مضي قرابة 12 عاماً على الحرب في سورية، جاء الزلزال المدمر ليكتب فصلاً جديداً من فصول المأساة السورية، تلك المأساة التي كان الأطفال ولا يزالون أبرز ضحاياها، فقد حرمتهم الحرب من التعليم وحقوق الطفولة الأخرى وخلّفت فيهم آثاراً نفسية قد لا يتعافون منها في وقت قريب.

“رولا” (9 سنوات) طفلة سورية تدرس في الصف الثاني، كانت تعيش مع عائلتها في قرية كفر يحمول في ريف إدلب شمال سورية وتذهب للمدرسة في كل صباح بسعادة غامرة وحماس شديد، لكن ظروف الحياة أجبرت العائلة على الانتقال من قريتهم إلى مدينة عفرين شمال سورية بعد أن وجد والد “رولا” فرصة عمل مناسبة له هناك، إلا أن العائلة لم تكن تتوقع عدم وجود مدرسة قريبة من منزلهم الجديد في عفرين، وفي هذا الصدد تقول والدة “رولا”:

“بعد وصولنا لعفرين بدأنا بالبحث عن مدرسة قريبة لتستطيع ابنتي اكمال دراستها، ولكن مع الأسف لم يكن هناك سوى مدرسة بعيدة جداً عن منزلنا فسجلنا “رولا” فيها، ولكن كنت أخاف عليها كثيراً عند ذهابها لأن الطريق طويل وشاق وخطر”

حفاظاً على سلامة “رولا” قرر والداها ألا تستمر بالذهاب إلى تلك المدرسة البعيدة، إلا أن تعليم الأطفال كان أولوية أساسية في العائلة، حيث بدأت أم “رولا” بتقديم التعليم لطفلتها في المنزل وتشجيعها بالوسائل المتاحة حتى لا تنقطع عن التعليم بشكل كامل، واستمر الأمر هكذا فصلاً دراسياً كاملاً حتى حدث الزلزال المدمر فجأة وتسبب بتهدم منزل العائلة واضطرهم للنزوح والعودة إلى قرية كفر يحمول مجدداً.

بعد أن استقرت العائلة في قرية كفر يحمول بدأ والدا “رولا” بتشجيعها على الذهاب لمدرستها القديمة واستكمال تعليمها من جديد، وما كان منها إلا أن تذهب للمدرسة مرات معدودة ثم تنقطع عنها، وكان سبب هذا الانقطاع هو الخوف الشديد الذي تركه الزلزال في نفسها، تقول “رولا”:

“بعد الزلزال شعرت بخوف شديد من الذهاب للمدرسة حتى لا يتهدم علينا الصف إن حصل زلزال جديد، ثم ذهبت عدة مرات وكنت أجلس بمفردي ولا أخرج إلى باحة المدرسة وبعدها لم أعد أذهب للمدرسة”

تواصلت عاملة الدعم النفسي في المدرسة مع والدة “رولا” بسبب تغيب الطفلة المتكرر وعرفت بالقصة كاملة وتعاونتا سوياً لأجل تشجيع الطفلة على العودة للمدرسة، حيث حضرت “رولا” حفلة العودة إلى المدرسة، كما قامت عاملة الدعم النفسي بالعديد من الأنشطة لدمجها مع بقية الأطفال، إضافة لتنفيذ جلسات دعم نفسي للقضاء على الخوف والقلق الذي كان يرافق الطفلة بعد الزلزال، وقد تكللت هذه الخطوات بالنجاح الملحوظ، حيث أجرت “رولا” امتحان تحديد المستوى وتم وضعها في الصف المناسب لمستواها الدراسي وأصبحت تأتي للمدرسة صباح كل يوم دون انقطاع.

تحدثنا رولا عن تفاصيل مدرستها الحالية قائلة:

“أدرس الآن في الصف الثاني ويجب أن أكون في الصف الثالث، ولدي 5 أصدقاء في المدرسة نلعب سوياً ونستمتع كثيراً وهم بالنسبة لي مثل أخواتي، كما أنني أحب كثيراً الآنسة حنان لأنها ساعدتني على العودة إلى المدرسة، وهي تهتم بي كثيراً وتشجعني وتسالني عن احتياجاتي وتتواصل مع امي لتطلع على دراستي في المنزل”

كان لوالدة “رولا” دوراً أساسياً في دعمها وتشجيعها على الاستمرار في الذهاب للمدرسة واستكمال الدراسة والتعليم، تقول “رولا”:

“أمي تشجعني كثيراً على الدراسة، فدائماً بعد عودتي من المدرسة تجهز لي الطعام وتتحدث معي عن مدرستي ثم تساعدني في فهم الدروس وكتابة الواجبات المدرسية”

في الوقت ذاته كان تحسن حالة “رولا” ملحوظاً لعائلتها، وفي هذا الصدد تقول والدتها:

“بعد فترة من عودة رولا إلى المدرسة تحسنت حالتها النفسية بشكل واضح، وأصحبت تتفاعل بشكل أفضل وتحب المدرسة كثيراً، وأتمنى أن يستمر هذا التحسن حتى تستطيع ابنتي إكمال دراستها والتفوق فيها”

عند سؤال “رولا” عن حلمها أخبرتنا بكل براءة عنه قائلة:

“أحلم أن أكمل دراستي وأصبح معلمة أساعد الأطفال في المستقبل”

تغلبت “رولا” على الصعاب والتحديات بفضل دعم والديها وتشجيعهم المستمر لها لتستكمل دراستها، فقد كانت أمها العمود الرئيسي الذي استندت إليه لتستكمل رحلة تعليمها التي ستوصلها إلى تحقيق حلمها ممهدة الطريق لمستقبلٍ مشرق ومليء بالإنجازات.

شارك المحتوى على منصتك المفضلة!

WhatsApp
Facebook
Twitter
LinkedIn